زكريا القزويني
603
آثار البلاد واخبار العباد
فاراب ولاية في تخوم الترك بقرب بلاد ساغو ، مقدارها في الطول والعرض أقلّ من يوم ، إلّا أن بها منعة وبأسا . وهي أرض سبخة ذات غياض . ينسب إليها الأديب الفاضل إسماعيل بن حمّاد الجوهري ، صاحب كتاب صحاح اللغة ، وكذلك خاله إسحق بن إبراهيم ، صاحب ديوان الأدب ، ومن العجب أنّهما كانا من أقصى بلاد الترك ، وصارا من أئمّة العربيّة ! فرغانة ناحية بما وراء النهر متاخمة لبلاد الترك كثيرة الخيرات وافرة الغلات ؛ قال ابن الفقيه : بناها أنوشروان كسرى الخير . نقل إليها من كلّ أهل بيت وسمّاها هرخانه ، بها جبال ممتدّة إلى بلاد الترك ، وفيها من الأعناب والتفاح والجوز وسائر الفواكه ، ومن الرياحين الورد والبنفسج وغيرهما ، كلّها مباح لا مالك لها ، وفيها وفي أكثر جبال ما وراء النهر الفستق المباح . وبها من المعادن معدن الذهب والفضّة والزئبق والحديد والنحاس ، والفيروزج والزاج والنوشاذر والنفط والقير والزفت ، وبها جبل تحترق حجارته مثل الفحم ، يباع ، وإذا احترق يستعمل رماده في تبييض الثياب ؛ قال الإصطخري : لا أعرف مثل هذا الحجر في جميع الأرض . وبها عيون ماؤها يجمد في الصيف عند شدّة الحرّ ، وفي الشتاء يكون حارّا جدّا حتى يأوي إليها السوام لدفء موضعها . قسطنطينيّة دار ملك الروم ، بينها وبين بلاد المسلمين البحر الملح ، بناها قسطنطين بن سويروس صاحب رومية ، وكان في زمن شابور ذي الأكتاف ، وجرى بينهما محاربات استخرج الحكماء وضعها . لم يبن مثلها قبلها ولا بعدها ، والحكاية عن عظمها وحسنها كثيرة ، وهذه صورتها :